تتجه أنظار أسواق الطاقة العالمية إلى أسعار الغاز الطبيعي مع بداية شهر نوفمبر 2026، في ظل حالة من التذبذب الواضح بين الأسواق الأوروبية والأمريكية، بالتزامن مع اقتراب موسم الشتاء وارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على حركة الشحن والتجارة العالمية.
وتداولت بعض التقارير بيانات تشير إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 9.7% خلال أسبوع، لكن هذه النسبة لا يمكن تعميمها على جميع الأسواق أو المؤشرات؛ إذ تختلف حركة الأسعار بحسب السوق المرجعي والعقد وتاريخ المقارنة. كما أظهرت بيانات نهاية أكتوبر تحركات متباينة بين الغاز الأوروبي والأمريكي، وهو ما يجعل متابعة المؤشر المستخدم أمرًا ضروريًا لفهم حقيقة الارتفاع.
لماذا ترتفع أسعار الغاز الطبيعي في بعض الأسواق؟
ترتبط تحركات أسعار الغاز الطبيعي بعدة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها توازن العرض والطلب، وحجم المخزونات المتاحة، وتوقعات الطقس خلال فصل الشتاء، إلى جانب تكلفة نقل شحنات الغاز المسال والتطورات السياسية التي قد تؤثر على طرق الإمداد.
ومن أبرز العوامل المؤثرة في الأسواق خلال الفترة الحالية:
- اضطرابات الإمدادات: تؤدي المخاوف بشأن حركة شحن الغاز المسال عبر الممرات البحرية المهمة إلى زيادة قلق المشترين، ورفع المنافسة على الشحنات المتاحة.
- مخزونات أوروبا: انخفاض مستويات التخزين مقارنة بالمتوسطات الموسمية يجعل السوق أكثر حساسية لأي نقص مفاجئ في الإمدادات.
- الطلب الشتوي: عادة ما يرتفع استهلاك الغاز مع انخفاض درجات الحرارة، خصوصًا لأغراض التدفئة وتوليد الكهرباء.
- المنافسة بين الأسواق: تتنافس أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وقد يؤدي ارتفاع الطلب في إحدى المنطقتين إلى زيادة تكلفة الحصول على الإمدادات في الأخرى.
أسعار الغاز في أوروبا تحت ضغط مخاوف الإمدادات
شهد السوق الأوروبي تحركات قوية خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر، بعدما اقترب السعر المرجعي الهولندي TTF من مستوى 100 يورو لكل ميجاوات ساعة، بل تجاوزه لفترة وجيزة في 28 أكتوبر، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز.
وترتبط هذه التحركات بالمخاوف من اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب حاجة الدول الأوروبية إلى تأمين احتياجاتها قبل اشتداد الطلب الشتوي. كما أن مستويات التخزين الأوروبية، التي اقتربت من 75% وفق البيانات المنشورة في نهاية أكتوبر، تظل أقل من مستويات العام السابق والمتوسطات الموسمية المشار إليها في تقارير السوق.
وتعني هذه الظروف أن أي اضطراب إضافي في الشحنات أو موجة برد قوية قد يدفع الأسعار إلى تحركات جديدة، بينما يمكن أن يؤدي تحسن الإمدادات واعتدال الطقس إلى تخفيف الضغوط.
لماذا لا تتحرك أسعار الغاز في أمريكا وأوروبا بالاتجاه نفسه؟
من المهم التمييز بين المؤشرات العالمية المختلفة؛ فالسوق الأمريكية تعتمد بصورة أساسية على مؤشر Henry Hub، بينما يمثل مؤشر TTF الهولندي مرجعًا مهمًا لأسعار الغاز في أوروبا.
وفي الوقت الذي واجهت فيه الأسعار الأوروبية ضغوطًا صعودية بسبب مخاوف الإمدادات، أظهرت العقود الأمريكية صورة مختلفة. فقد أشار تقرير جمعية الغاز الأمريكية الصادر في 29 أكتوبر إلى تراجع عقد نوفمبر الأمريكي قبل انتهاء تداوله، مع استمرار تأثير وفرة الإنتاج وتوقعات الطقس الأكثر اعتدالًا على الأسعار.
كما أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع مخزونات الغاز إلى 3,724 مليار قدم مكعبة خلال الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر، بزيادة 80 مليار قدم مكعبة عن الأسبوع السابق، وبمستوى أعلى من متوسط السنوات الخمس بنحو 1%.
وهذا الاختلاف يؤكد أن الحديث عن ارتفاع موحد في أسعار الغاز الطبيعي عالميًا لا يعكس الصورة كاملة، لأن كل سوق تتأثر بعوامل العرض والطلب الخاصة بها.
ماذا ينتظر أسعار الغاز الطبيعي خلال نوفمبر 2026؟
تظل توقعات أسعار الغاز خلال نوفمبر مرتبطة بعدة متغيرات يصعب حسم اتجاهها مسبقًا، وفي مقدمتها حالة الطقس، وحجم الإمدادات القادمة من الدول المصدرة، ومستويات المخزون، ومدى استمرار التوترات المؤثرة على حركة ناقلات الغاز المسال.
ويمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة في ثلاثة اتجاهات:
- استمرار الضغوط الصعودية في أوروبا: إذا استمرت مخاوف نقص الإمدادات وارتفعت المنافسة على شحنات الغاز المسال، فقد تظل الأسعار الأوروبية عرضة لموجات ارتفاع جديدة.
- هدوء الأسعار مع تحسن الإمدادات: عودة تدفقات الغاز واستقرار حركة الشحن قد يخففان الضغوط على السوق ويحدان من الارتفاعات.
- تراجع الأسعار في حال اعتدال الطقس: انخفاض الطلب على التدفئة، خاصة في بداية الموسم الشتوي، قد يساعد على تهدئة السوق، خصوصًا في الأسواق التي تتمتع بمخزونات وإنتاج قويين.
ولا تمثل هذه السيناريوهات توقعًا مؤكدًا للأسعار، وإنما عوامل يجب مراقبتها عند تقييم اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة.
هل تؤثر ارتفاعات الغاز الطبيعي على أسعار الكهرباء والصناعة؟
يمكن أن تنعكس زيادة أسعار الغاز في الأسواق العالمية على تكلفة إنتاج الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الأسمدة والكيماويات والصلب، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد أو ترتبط أسعار الطاقة لديها بالعقود العالمية.
لكن انتقال الزيادة إلى المستهلك النهائي لا يحدث بالضرورة بصورة فورية أو متساوية؛ إذ يعتمد ذلك على سياسات التسعير المحلية، وطبيعة عقود التوريد، والدعم الحكومي، وتكاليف النقل والتخزين.
وبالنسبة إلى مصر، فإن أي حديث عن زيادة أسعار الغاز للمصانع أو المستهلكين يحتاج إلى الرجوع إلى القرارات الرسمية المحلية، ولا يعني ارتفاع المؤشرات العالمية تلقائيًا صدور زيادة جديدة في الأسعار داخل السوق المصرية.
الخلاصة: هل تستمر موجة صعود الغاز في نوفمبر؟
تدخل أسواق الغاز الطبيعي شهر نوفمبر وسط مشهد متباين؛ فالمخاوف المتعلقة بإمدادات الغاز المسال ومخزونات أوروبا قد تدعم استمرار التقلبات في السوق الأوروبية، بينما توفر مستويات الإنتاج والمخزون الأمريكية عوامل قد تحد من صعود الأسعار هناك.
لذلك، فإن متابعة مؤشر السعر المستخدم، وبيانات المخزونات، وتوقعات الطقس، وحركة شحنات الغاز المسال ستكون ضرورية لفهم اتجاه السوق، بدلًا من الاعتماد على نسبة ارتفاع أسبوعية واحدة باعتبارها انعكاسًا لحركة الأسعار العالمية بالكامل.
تابعوا موقع بوابة العرب لمتابعة أحدث أخبار الاقتصاد وأسعار الطاقة والغاز الطبيعي، ورصد تطورات الأسواق العالمية وتأثيرها على المنطقة.
الأسئلة الشائعة
هل ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 9.7% خلال أسبوع؟
تختلف النسبة بحسب المؤشر والسوق والفترة الزمنية المستخدمة في المقارنة، ولا يصح اعتبارها زيادة عامة تشمل جميع أسواق الغاز الطبيعي.
ما أهم أسباب ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا؟
تتضمن أبرز الأسباب مخاوف اضطراب إمدادات الغاز المسال، وانخفاض مستويات التخزين مقارنة بالمتوسطات الموسمية، والمنافسة على الشحنات قبل موسم الشتاء.
هل يمكن أن تنخفض أسعار الغاز خلال نوفمبر؟
نعم، قد تتراجع الأسعار إذا تحسنت الإمدادات واعتدلت درجات الحرارة وانخفض الطلب، لكن استمرار اضطرابات الشحن أو موجات البرد قد يعيد الضغوط الصعودية.
هل تؤثر أسعار الغاز العالمية مباشرة على أسعار الغاز في مصر؟
ليس بالضرورة؛ إذ تخضع الأسعار المحلية للقرارات الحكومية وعقود التوريد وتكاليف الإنتاج والاستيراد، ولا تنتقل تحركات المؤشرات العالمية تلقائيًا إلى المستهلك المصري.

التعليقات