علماء أعصاب أمريكيون يزرعون خلايا بشرية عاملة داخل أدمغة فئران التجارب

علماء أعصاب أمريكيون يزرعون خلايا بشرية عاملة داخل أدمغة فئران التجارب ونجح علماء أعصاب في الولايات المتحدة في تكييف فئران تجارب لتحتوي أدمغتها على خلايا بشرية عاملة، في خطوة يأمل الباحثون أن تفتح الباب أمام اختبار علاجات محتملة لاضطرابات نفسية وعصبية نمائية تصيب البشر وحدهم.
ورغم أن وجود فئران تحمل أجزاءً من أدمغة بشرية قد يبدو أشبه بتجربة كافكاوية، شدد العلماء على أن هذه ليست «فئران تفكر مثل البشر». فالفئران خضعت لهندسة وراثية وتعديلات جراحية بحيث أصبح جزء من أنسجة دماغها بشريًا. وأكد الفريق أن العمل، الذي نُشر في مجلة «نيتشر»، أُجري تحت رقابة أخلاقية مستقلة.
الهدف: فهم اضطرابات الدماغ المستعصية
الهدف من هذا الإنجاز، رغم تعقيداته الأخلاقية، هو تحسين فهم بيولوجيا اضطرابات الدماغ التي لا توجد لها حتى الآن علاجات فعالة. فبعض الحالات لا يمكن دراستها في الفئران ببساطة لأن القوارض لا تصاب ببعض اضطرابات الدماغ التي تصيب البشر.
وقال الباحث الرئيسي، البروفيسور سيرجيو باشكا من جامعة ستانفورد، في مؤتمر صحفي، إن الطب النفسي لديه «واحد من أدنى معدلات النجاح في التجارب السريرية». وأضاف: «حتى الأدوية التي تصل فعلاً إلى التجارب السريرية — والتي تبدو وكأنها تعمل جيدًا في النماذج الحيوانية — تفشل بشكل مأساوي في العيادات. هذا يخبرنا أننا نفتقد الكثير من المعلومات حول البيولوجيا البشرية، وأن التقاطها سيكون ضروريًا».
ورأى باحثو ستانفورد أن هذه التقنية قد تكون «تحويلية» لبعض الحالات المعقدة، بما في ذلك الصرع والتوحد والشلل الدماغي. وقال باشكا: «لدينا هنا نموذج جديد يسمح لنا فعلاً بالتقاط جوانب من وظائف الدماغ البشري بطريقة لم تكن ممكنة من قبل».
كيف صُنعت هذه الفئران؟
يتكوّن الدماغ البشري من مليارات الخلايا المتصلة عبر ملايين الدوائر، ما يجعل فهم تطوره وما يحدث بالضبط على المستوى الخلوي عند حدوث خلل أمرًا بالغ الصعوبة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تُزرع فيها خلايا عصبية بشرية في قوارض مختبرية، لكن هؤلاء العلماء نقلوا هذا النهج إلى مستوى جديد. فقد عدّلوا الفئران وراثيًا لتطوير قشرة دماغية خاصة بها شبه معدومة، وهي الطبقة الخارجية من الدماغ التي تُعرف أحيانًا بـ«المادة الرمادية»، وتتولى التفكير العالي والذاكرة والحواس.
ثم استخدم الباحثون خلايا جلدية مأخوذة من البشر وأعادوا «برمجتها» لتنمو إلى قطع من أنسجة شبيهة بالدماغ تُعرف باسم «العضيات». وهذه ليست أدمغة كاملة تُزرع في أطباق، بل مجموعات من الخلايا الحية المتصلة.
وعند زرع هذه العضيات في دماغ الفأر، انقسمت الخلايا ونظّمت نفسها داخل الدوائر العصبية الموجودة لدى الحيوان، واتصلت ببقية دماغ الفأر والحبل الشوكي.
لكن قشرة الفئران المزروعة ليست مثالية؛ فالقشرة الطبيعية تتشكل في طبقات منظمة، وكما قالت عالمة الأعصاب الدكتورة إيلاري ألودي، فإن صور أدمغة هذه الفئران البشرية-الفأرية تبدو «فوضوية بعض الشيء». ومع ذلك، بعد بضعة أشهر، بدأت الخلايا البشرية تبدو وتعمل مثل الطبقة الخارجية لدماغ الفأر.
وبعد نحو ستة أشهر من الجراحة، أخضع العلماء الفئران لبعض اختبارات السلوك الأساسية، إذ راقبوها وهي تتحرك في ساحة صغيرة. وقال باشكا إن أداءها كان «في الغالب مثل أداء الفئران العادية»، مضيفًا: «لا يوجد لديها أي تعزيز».
«ليست فئران تفكر مثل البشر»
قالت الدكتورة سارة تشان، المحاضرة في الأخلاقيات الحيوية بجامعة إدنبرة، والتي لم تشارك في البحث، لـ«بي بي سي نيوز» إنه «لا يوجد أي مؤشر على أن ما يُنشأ هنا هو فئران تستطيع التفكير مثل البشر، أو دماغ بشري في جسم فأر». لكنها أشارت إلى أن الدراسة «تدفعنا للتفكير في ما قد يعنيه ذلك عندما نبدأ بتغيير إدراك الحيوانات». وأضافت: «كيف يمكننا أن نعرف كيف يكون الحال بالنسبة لأحد هذه الفئران؟ وكيف نراعي ذلك في الطرق التي نعامل بها حيوانات المختبر؟».
«برنامج بشري داخل بيئة فأر»
من جهتها، قالت الدكتورة إيلاري ألودي، عالمة الأعصاب بجامعة سانت أندروز، والتي لم تشارك في البحث، إن العمل الذي أنجزه العلماء «مبهر جدًا». وأشارت بشكل خاص إلى أن أنواعًا من الخلايا توجد فقط في أدمغة البشر والرئيسيات، وليس في أدمغة الفئران، قد تشكلت تلقائيًا في الفئران المزروعة. وقالت: «أنت تحافظ على البرنامج البشري داخل بيئة الفأر — وكأن الفأر حاضنة».
ومن المرجح أن تُستخدم هذه الفئران، التي قال الباحثون إنها هُندست ورُبّيت وفق إرشادات أخلاقية ورفاهية صارمة، في عدد قليل من المختبرات لدراسة عدد محدود جدًا من اضطرابات الدماغ.
وأشار البروفيسور جيمس إينج، وهو عالم أعصاب أيضًا بجامعة سانت أندروز، إلى أن التطور مبهر تقنيًا، لكن هذه الفئران قد تكون «محدودة الفائدة». وعزا ذلك جزئيًا إلى «القضايا الأخلاقية المتعلقة بتربية أنسجة دماغية بشرية حية داخل فأر، وما قد يعنيه ذلك لتجربة الحيوان».
وقالت ألودي إن علماء الأعصاب الذين يدرسون الدماغ البشري جميعًا يواجهون القيود نفسها: «نحاول فهم المرض البشري، وما لدينا هو فئران، وخلايا تعيش على طبق، وشبكات عصبية على حاسوب. لذا فإن هذا مسار جديد».



